أبو نصر الفارابي
44
الجمع بين رأيي الحكيمين
ما دام في الوجود ، يحدث بالضرورة حوله ، من ذات ماهيته ، شيئا يتجه إلى خارج ويتعلق بقدرته الراهنة ، هذا الشيء بمثابة صورة الموجود الحادث منه ، فمثلا النار تولد الحرارة ، ولا يحتفظ الثلج بكل برودته ، والمشمومات خاصة شاهد على ذلك ؛ فما دامت موجودة انتشرت منها رائحة هي شيء حقيقي يستمتع بها كل الجيرة . يضاف إلى ما تقدم ان كل موجود يصل إلى كماله يلد ، واذن فالموجود الكامل دائما يلد دائما ، يلد موضوعا سرمديا ، يلد موجودا أدنى منه ، ولكنه الأعظم بعده . هذا الأعظم بعده هو العقل الكلي الذي هو كلمة الواحد وفعله وصورته . ولكن الواحد ليس عقلا ، فكيف يلد العقل ؟ ذلك بأنه يرى باتجاهه إلى ذاته ، وهذه الرؤية هي العقل ( الكلي ) . هذا العقل الكلي يحوي في ذاته جميع الموجودات الخالدة في سكون سرمدي . ولكن وحدة هذا العقل ليست وحدة الواحد الأول : لان هذا العقل يعقل ومن تعقله تفيض النفس الكلية التي هي صورته ، فهي تنظر صوبه ، كما ينظر العقل الكلي صوب الواحد : كل موجود مولود يشتاق إلى الموجود الذي ولده ويحبه ، فالنفس الكلية متحدة بالعقل الكلي . وحين تنظر اليه يفيض منها موجودات أدنى منها : الكواكب الإلهية في السماء ووضعت فيها النظام ، ونفوس البشر والأجسام ، والحيوانات ، والمادة آخر مراتب الوجود ( فهي ابعد ما يكون عن النفس الكلية ، فهي أصل الشر ، إذ الشر معناه الابتعاد عن المصدر ) . النفس البشرية : هي فيض من النفس الكلية ، واتصال النفس البشرية بالجسم أصل نقائصها وشرورها . انها في البدن كما في سجن ، تتألم وتشقى « النفس البشرية تلقي في بدنها الشر والألم . انها تعيش في الحزن والشهوة والخوف ، وفي كل الشرور . البدن لها سجن وقبر ، والعالم كهف ومغارة » ( التساعية الرابعة 8 ، 3 ) . فيجب أن تكون غايتها الخلاص منه والعودة إلى الأول الواحد . والسبيل إلى تحقيق هذا الاتحاد بالواحد لا يكون عن طريق فاد ، بل بواسطة الزهد والتأمل . بالزهد تنصرف النفس عن كل محسوس ، وبالتأمل تكتشف النفس وحدتها مع النفس الكلية . ، ثم مع العقل الكلي وأخيرا مع الواحد . فترى انها عن الواحد صدرت ، وان الواحد ماثل فيها . وإذا ما بلغت حالة الوجد ترى انها الواحد نفسه ( اي تلاشت فيه ) . فالفلسفة هي وسيلة للنفس في صعودها إلى الواحد والاتحاد به . هذا الاتحاد هو الغبطة العظمى ، وهو حال انجذاب تفقد فيها النفس كل شعور بذاتها وتستغرق في الواحد الأول . هذه الحال ممكنة في الحياة العاجلة ولكن لا يذوقها الّا القليل ولا يذوقونها الّا نادرا . ويقول فرفوريوس : ان افلوطين جذب اربع مرات . ( نقلا عن افلوطين ) .